كانت أنفا بلدة أمازيغية دمّرها البرتغاليون، ثم أعاد بناءها سلطان في القرن الثامن عشر باسم «الدار البيضاء»، فصارت في قرن واحد أكبر مدن المغرب الكبير: مختبراً لفن الآرديكو، ومهداً للمقاومة، وعاصمةً اقتصادية للمملكة.
سكن الأمازيغ الموقع منذ القرن السابع قبل الميلاد، واستعمله الفينيقيون ثم الرومان ميناءً. وفي القرن السادس عشر وصف الحسن الوزان (ليون الإفريقي) أنفا القديمة بأنها مدينة كبيرة من تامسنا مرتبطة بمملكة برغواطة، وعدّها أكثر مدن الساحل الأطلسي ازدهارًا لخصوبة أراضيها.
ظلّت مملكة برغواطة مستقلة حتى فتحها المرابطون سنة 1068، وبعد زوالها استقرّت في المنطقة قبائل عربية من بني هلال وبني سليم واختلطت بالأمازيغ. وفي عهد المرينيين، في القرن الرابع عشر، صارت أنفا ميناءً مهمًا.
كازا برانكا والدار البيضاء (1468-1790)
الدار البيضاء التي أعاد بناءها محمد بن عبد الله
في القرن الخامس عشر عادت أنفا مستقلة وصارت ملجأً للقراصنة، فقصفها البرتغاليون انتقامًا ودمّروها سنة 1468. وحملت البلدة الصغيرة التي نشأت من جديد اسمًا برتغاليًا: «كازا برانكا»، أي البيت الأبيض.
وبين 1756 و1790 أعاد السلطان سيدي محمد بن عبد الله بناء المدينة وميناءها، على الأرجح بعد رحيل البرتغاليين عن مازاغان سنة 1769، لتحصين الساحل بين الرباط والجديدة، وأطلق عليها اسم «الدار البيضاء» ترجمةً لكازا برانكا، وهي المدينة القديمة الحالية.
ميناء الصوف والشاي
في القرن التاسع عشر نمت المدينة بتصدير صوف السهول المجاورة إلى مصانع النسيج البريطانية، وفي المقابل جلبت السفن الإنجليزية الشاي الأخضر «غانباودر» الذي صار أساس الأتاي المغربي بالنعناع.
وكان في الدار البيضاء نحو 5000 ساكن في الستينيات من القرن التاسع عشر، و10 آلاف أواخر الثمانينيات، ونحو 12 ألفًا في بداية القرن العشرين: ميناء متواضع بعيد خلف فاس ومراكش والصويرة.
قصف 1907
عهد مؤتمر الجزيرة الخضراء (1906) إلى ضباط فرنسيين بجمارك الميناء وإلى شركة فرنسية ببنائه. وفي يونيو 1907 مُدّت سكة حديد نحو مقلع تعبر مقبرة سيدي بليوط، فهاجمت قبائل الشاوية القطار وقتلت تسعة عمّال أوروبيين.
وفي غشت 1907 قصفت البحرية الفرنسية المدينة وأنزلت جنودها، فكانت الحصيلة ثقيلة جدًا: ما بين 600 و3000 قتيل مغربي حسب التقديرات، ونُهب الملاح وأُحرق. ومع احتلال وجدة قبل أشهر، كانت تلك بداية الغزو الفرنسي للمغرب الذي رسّمته معاهدة فاس في مارس 1912.
المدينة الفطرية في عهد الحماية
المدينة الجديدة بطراز آرت ديكو في عهد الحماية
جعلت فرنسا الرباط العاصمة الإدارية والدار البيضاء العاصمة الاقتصادية. وكلّف ليوطي المهندس هنري بروست بتصميم مدينة أوروبية جديدة خارج المدينة القديمة، و«مدينة جديدة» للمغاربة القادمين من مدن أخرى هي حي الأحباس. وامتلأ الوسط بعمارات الآرت ديكو، وصار الميناء الأول في البلاد.
وانفجر عدد السكان من 12 ألفًا نحو 1907 إلى 110 آلاف سنة 1921، كثير منهم في أحياء الصفيح، وكان الأوروبيون نحو نصف السكان. وفي 1937-1938 اتُّخذ وباء التيفويد ذريعة لترحيل مغاربة من الوسط نحو كاريان سنطرال.
1942-1943: الحرب ومؤتمر أنفا
في 8 نونبر 1942 نزلت القوات الأمريكية بقيادة الجنرال باتون في المغرب ضمن عملية «الشعلة». وسقطت الدار البيضاء، التي كانت بيد نظام فيشي، في 11 نونبر، واستمرّت المعركة البحرية حتى 16 منه. وصار مطار برشيد، الذي سيصبح مطار محمد الخامس، قاعدة أمريكية كبرى.
وفي يناير 1943 التقى تشرشل وروزفلت في فندق أنفا بحضور الجنرالين دو غول وجيرو، وتبنّى الحلفاء مبدأ «الاستسلام غير المشروط» لدول المحور. والتقى روزفلت السلطان محمد بن يوسف على انفراد وأبدى تأييده لاستقلال المغرب بعد الحرب، ما شجّع الوطنيين.
نحو الاستقلال (1947-1956)
في الأربعينيات والخمسينيات كانت الدار البيضاء بؤرة للنضال ضد الحماية. ففي 7 أبريل 1947، عشية خطاب السلطان في طنجة، قتل جنود من الجيش الاستعماري سكانًا من الأحياء الشعبية. وفي 7 و8 دجنبر 1952 انتفضت المدينة بعد اغتيال النقابي التونسي فرحات حشاد.
وبعد نفي محمد الخامس في 20 غشت 1953 نظّم المقاوم محمد الزرقطوني عملية السوق المركزي في 25 دجنبر 1953. ونال المغرب استقلاله سنة 1956، وتحمل شوارع كبرى في المدينة اليوم أسماء هؤلاء المقاومين.
حاضرة المغرب المستقل
في يناير 1961 استقبل محمد الخامس في الدار البيضاء قادة أفارقة، منهم عبد الناصر ونكروما وموديبو كيتا، فكانت «مجموعة الدار البيضاء». وكانت المدينة أيضًا نقطة الانطلاق الرئيسية لهجرة اليهود المغاربة، خصوصًا بين 1961 و1964. وعرفت انتفاضات خطيرة في مارس 1965 ويونيو 1981 قُمعت بشدّة.
ودُشّن مسجد الحسن الثاني، بصومعته البالغ علوها 210 أمتار، سنة 1993. وفي مارس 2000 تظاهرت فيها عشرات الآلاف من النساء لإصلاح وضع المرأة، وهو إصلاح اعتُمد مع مدونة الأسرة الجديدة سنة 2004. وفي 16 ماي 2003 أودت تفجيرات انتحارية بحياة 33 مدنيًا. وانضمّت الدار البيضاء سنة 2023 إلى شبكة المدن المبدعة لليونسكو.
— II —
الفصل III
تواريخ بارزة
1468
البرتغاليون يدمرون أنفا التي كانت ميناءً للقراصنة.
1770
السلطان محمد بن عبد الله يعيد بناء المدينة: الدار البيضاء.
1943
روزفلت وتشرشل يجتمعان في مؤتمر أنفا بالدار البيضاء.
1993
تدشين مسجد الحسن الثاني فوق المحيط.
— III —
الفصل IV
معالم بارزة
1
مسجد الحسن الثاني
افتُتح سنة 1993 ويمتد فوق مياه الأطلسي، وصومعته بعلو 210 أمتار من أعلى الصوامع في العالم. يتسع لـ25 ألف مصلٍّ في الداخل وعشرات الآلاف في الساحة، وهو من المساجد القليلة في المغرب المفتوحة لغير المسلمين عبر زيارات مرشدة.
2
وسط المدينة ومعمار الآرديكو
حول شارع محمد الخامس وساحة الأمم المتحدة، تمزج مئات العمارات المشيدة بين العشرينيات والخمسينيات فنَّ الآرديكو بالزخارف المغربية: الزليج والحديد المطروق والأفاريز المنحوتة. أما كاتدرائية القلب المقدس البيضاء فصارت فضاءً ثقافياً.
3
حي الأحباس
«المدينة الجديدة» التي شيّدها الفرنسيون منذ أواخر العقد الثاني من القرن العشرين: أقواس وأزقة منتظمة ومكتبات ومحلات حلويات ومحكمة الباشا. هنا تُشترى الزيتون والنحاسيات وكعب الغزال في مدينة بلا متاهة.
4
المدينة القديمة والكورنيش
تحتفظ المدينة القديمة الصغيرة، المشيدة في القرن الثامن عشر قرب الميناء، بأسوارها وبالصقالة ومدافعها. وإلى الغرب يصطف على كورنيش عين الذئاب الشواطئ والمقاهي وضريح سيدي عبد الرحمن، فوق جزيرة صغيرة يُبلغ إليها عند الجزر.
— IV —
الفصل V
شخصيات
SSidi Mohammed ben Abdallah1710–1790السلطان العلوي الذي أعاد تأسيس المدينة نحو 1770 وسمّاها الدار البيضاء.
MMohammed Zerktouni1927–1954من رموز المقاومة البيضاوية، اعتُقل سنة 1954 فآثر الموت على البوح بأسرار رفاقه. ويحمل أحد أكبر شوارع المدينة اسمه.
NNass El Ghiwane1971فرقة وُلدت في الحي المحمدي مطلع السبعينيات، وجعلت من الغناء الشعبي والكناوي صوتاً للشباب المغربي.
— V —
الفصل VI
الثقافة والتقاليد
الرجاء والوداد
ديربي الدار البيضاء بين الوداد (تأسس سنة 1937) والرجاء (1949) من أشد مباريات إفريقيا حماساً، وتُحضَّر لوحات المدرجين، الأحمر والأخضر، أسابيع قبل المباراة.
مدينة كل المغاربة
قدم البيضاويون من سوس والريف والشاوية والصحراء، فابتكروا دارجة سريعة مليئة بالكلمات الفرنسية والإسبانية. وهنا تولد الموضات والراب المغربي والعناوين الجديدة.
حي كازا أنفا يحتضن صناعة الموضة المغربية. المشهد الإبداعي في المدينة — معارض الفن وأماكن الموسيقى والفن الجداري — هو الأكثر حيوية في البلاد. الكورنيش على الواجهة البحرية هو القلب الاجتماعي للمدينة في عطل نهاية الأسبوع. المدينة العتيقة، رغم أنها لا تضاهي درامية فاس أو مراكش، تحافظ على حياة الحي الأصيلة.
— VI —
الفصل VII
السكان
البيضاويون
بُنيت الدار البيضاء بمهاجرين من كل أنحاء المغرب، قدموا من دكالة والشاوية وسوس والريف منذ قرن. ويُعرف البيضاويون بالعجلة والصراحة وروح المبادرة: إنها العاصمة الاقتصادية التي يأتيها الناس «باش يقلبو على طرف ديال الخبز».
دارجة كازا
صارت الدارجة البيضاوية، السريعة والمليئة بالعامية والكلمات الفرنسية، الدارجة «المعيارية» في البلاد بفضل التلفزيون والراب ووسائل التواصل.
— VII —
الفصل VIII
على المائدة
سمك السوق المركزيفي السوق المركزي تختار الدوراد أو القمرون أو قنفذ البحر من البائع، ثم تشويه في المطاعم الصغيرة المجاورة.
01يبلغ علو صومعة مسجد الحسن الثاني 210 أمتار، وهي من أعلى الصوامع في العالم.
02صُوّر فيلم «كازابلانكا» (1942) بالكامل في استوديو بهوليوود.
03ديربي الرجاء والوداد من أكثر مباريات كرة القدم متابعة وإثارة في إفريقيا.
— IX —
أسئلة شائعة عن الدار البيضاء
كم يوماً تحتاج لزيارة الدار البيضاء؟
خصّص 1–2 أيام لاكتشاف الدار البيضاء دون استعجال، وهي المدة التي نعتمدها في برامجنا.
ما أفضل وقت لزيارة الدار البيضاء؟
أفضل الأشهر لزيارة الدار البيضاء هي أبريل، ماي، يونيو، شتنبر وأكتوبر.
ما الميزانية اليومية في الدار البيضاء؟
للشخص في اليوم مع الإقامة: نحو 50 US$ بميزانية محدودة، و120 US$ بمستوى مريح، و400 US$ لإقامة فاخرة.
كيف تصل إلى الدار البيضاء؟
مطار محمد الخامس (CMN) هو المحور الرئيسي للمغرب برحلات عالمية. قطار TGV إلى مراكش (2 ساعة 20 دقيقة) والرباط (1 ساعة) وطنجة (2 ساعة 10 دقائق). موصلة جيداً بالقطار والحافلة لجميع المدن.
ماذا ترى في الدار البيضاء؟
أبرز معالم الدار البيضاء: مسجد الحسن الثاني، حي الأرنوفو، مراكش مول والكورنيش.
ماذا تأكل في الدار البيضاء؟
لتتذوقه في الدار البيضاء: طاجين مراكشي، كفتة مقورة، مرقاز وزعلوك.
أين تقيم في الدار البيضاء؟
الأحياء المنصوح بها: المدينة الجديدة، أنفا والكورنيش / عين الذياب.
هل الدار البيضاء وجهة آمنة؟
نعم، تستقبل الدار البيضاء كل سنة عدداً كبيراً من المسافرين. والاحتياطات هي نفسها في أي وجهة سياحية: انتبه لأغراضك وسط الزحام، واعتذر بلطف عن المرشدين غير الرسميين، واتفق على ثمن سيارة الأجرة قبل الركوب.